محمود شيت خطاب
286
الرسول القائد
أدرك أبو بصير أنه لا مقام له في المدينة ولا مأمن له في مكة ، فانطلق إلى ساحل البحر إلى ناحية تدعى ( العيص ) « 1 » وشرع يهدد قوافل قريش المارة بطريق الساحل أهم طرقها إلى الشام . وسمع المسلمون بمكة عن مقام أبي بصير وعن كلمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم فيه : ( مسعر حرب لو كان معه رجال ) ! فتجمعوا حول أبي بصير في مكمنه يشدون إزره ، حتى اجتمع إليه قريب من سبعين مسلما فيهم أبو جندل بن سهيل ابن عمرو . وألّف هؤلاء المعذبون في الأرض الناقمون على المشركين المستقتلون في سبيل عقيدتهم الذين لا ملجأ لهم إلا سيوفهم ، وقد فروا من أهلهم وأموالهم بعقيدتهم وإيمانهم ، ألّف هؤلاء قوة مغاوير « 2 » لا تمر قافلة لقريش إلا اغتنموها ولا يرون رجلا من قريش إلا قتلوه . وإذا بقريش تبعث إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم تسترحمه وتناشده الرّحم أن يؤوي إليه هؤلاء المسلمين الذين ضيّقوا عليها الخناق ، فلا حاجة لها بهم . وبذلك نزلت قريش طائعة عن الشرط الذي اعتبرته نصرا لها واعتبره المسلمون شرطا لا يناسب كرامتهم على أقل تقدير . وهكذا حافظ المسلمون على عهودهم كلها ، وانصرفوا إلى نشر دعوتهم ، بينما استمر مشردو المسلمين في التعرض على قريش ، وهكذا بقي المسلمون محايدين وبقي الفارون بدينهم من قريش والقبائل الموالية لها مقاتلين ؛ وبذلك تمّ الحياد المسلّح في أقوى مظاهره للإسلام .
--> ( 1 ) - العيص : موضع من ناحية ذي المروة على ساحل البحر الأحمر بطريق قريش التي كانوا يسلكونها من مكة إلى الشام في تجارتهم . أنظر التفاصيل في معجم البلدان 6 / 248 . ( 2 ) - المغاوير : جمع مغوار ، والمغوار هو الفدائي ، يقابل كلمة : Commando الانكليزية .